وهل هذه قضية؟ أن يشرب أحدنا شاياً في الحسين، أو يشربه في مكان آخر أو لا يشربه علي الإطلاق؟!
انتظر لحظة؛ فأنا أظن أن شرب الشاي في الحسين قضية من أعمق وأخطر القضايا السياسية والاقتصادية، فنحن إذا قلنا إن نظامنا فاسد، أو يعاني من نسبة فساد تتجاوز الحدود الآمنة، فإننا في الواقع لا نكون قد قلنا شيئاً، لأن الشيطان يفضل أن يلبد ويختبئ في التفاصيل، التفاصيل الأقل قيمة والأكثر قذارة كأكواب الشاي في مقاهي الحسين!
سيقولون: إن كنت تبحث عن شياطين التفاصيل، فلدينا طوابير العيش، واحتكار الحديد، ورداءة المناهج التعليمية، ومراكب الموت بعد التخرج، وخطر الحفر والمطبات العشوائية في الشوارع الجانبية، وخطر البالوعات والمطبات، التي كالعشوائية في الشوارع الرئيسية، ولدينا انسداد المرور الذي لا يشبه إلا انسداد المستقبل، لدينا من يموتون من الجوع أو من المرض أو من تلوث العلاج، فلماذا أكواب الشاي في الحسين بالذات؟!
الجواب يكمن في مشهد لن أنساه، يذكرنا بالمفاجآت الخطرة التي يتعرض لها أبطال تشيخوف المسحوقون.
استدرج جرسون المقهي بالميدان زوجاً مع زوجته وطفليه بإلحاح غير محتمل، استجاب الرجل لإلحاح الجرسون الذي تلقي أكبر دعم لإلحاحه من نظرات الطفلين المتطلعة، وما كان من رب الأسرة الصغيرة إلا أن استراح علي أقرب طاولة. طلب شاياً، حتي للصغيرين؛ ربما اعتقاداً منه أن الشاي أرخص المشروبات، ولم يتأخر وقت الحساب طويلاً. صار لون الرجل أصفر كالكركم وهو يستمع إلي المطلوب منه، وأخذ يئن بألم: «شاي بعشرة جنيه يا حرامية»؟! ثم رفع الكوب، مشيراً إلي قتامته وقذارته الثابتة علي جداره، متندراً بصفة السياحي التي قالها الجرسون تبريراً للسعر.
أربعون جنيهاً للأربعة، وسبعة لزجاجة مياه صغيرة، وصلت بالخدمة وضريبة المبيعات إلي السبعين، أخذ الرجل يستكمل المبلغ من حقيبة زوجته، وانصرفوا بين غضب الكبيرين وخوف الصغيرين.
ربما لن تطأ أقدام تلك الأسرة هذا المكان مرة أخري، وبالتأكيد لن تركب الطائرة لتحصل علي شاي في مقهي مبهج بالشانزليزيه بنصف هذا السعر. وبالتأكيد لن يهتم أحد بأن هذه الأسرة سوف تتخلي عن حقها في الفسحة إلي الأبد.
وهذه ليست بالخسارة الهينة، أو البسيطة علي المستوي الإنساني، لكن الحكومة ليس لديها سوي هذه النظرة المتخلفة لكل ما هو إنساني، وليست لديها حتي النظرة السوية لصناعة السياحة والترفيه في مصر!
واحترام إنسانية الإنسان يعني الاهتمام بوقت راحته، وقت الفراغ هو الجزء الأغني والأغلي من حياة الإنسان، فهو وقت العيش، من خلاله يجدد نشاطه وقدرته علي الابتكار في عمله، والأهم أنه يجدد صبره علي مكاره الحياة في مصر. وبهذا المعني الإنساني، ينبغي أن تكون الفسحة والقدرة عليها حقاً من حقوق الإنسان الأساسية، ويجب أن يصان هذا الحق ويحترم، لا أن يصادر بسبب فوضي الأسعار.
وإذا ما تركنا الإنسانية بعيدة المنال جانباً وانتبهنا إلي الجانب الاقتصادي، فسنكتشف أن هذه الحكومة تفتقد أي رؤية لصناعة السياحة، سواء من حيث مواصفات المنتج السياحي أو من حيث تناسب هذا المنتج مع أسعار بيعه، بالإضافة إلي أن أسعار المنتج السياحي ـ إذا اعتبرناه من الكماليات ـ تؤثر علي أسعار الضروريات، فأنت إذا استبشعت أن يكون كيلو البطاطس بثلاثة جنيهات، أو ناقشت كيف يكون كيلو اللبن بخمسة، سيجيبك البائع بأن كوب الشاي بعشرة جنيهات.
وللأسف، فإن الحكومة لا تراعي البعد الإنساني، ولا البعد الاقتصادي في أسعار ما يمكن أن يندرج تحت مسمي الكماليات، وتنظر إلي الفسحة باعتبارها ذنباً علي مرتكبه أن يتحمل نتائجه وحده، وتعتبر أن أسعار الحصول علي تلك الخدمة شيء لا يخصها، أو ربما يخصها، لكنها تبيع الزبون لصاحب المقهي أو المطعم.
وقد أصبحت صفة «سياحي» الوصفة السحرية لسحق المصريين في المطاعم والمقاهي، في الأحياء والضواحي غير السياحية كما في الأماكن السياحية.
ترخيص يصدر لغرزة علي الطريق يكون مبرراً لفرض سعر يتجاوز أسعار أغلي العواصم الأوروبية، من دون أن يحصل الزبون ـ سائحاً كان أو غير سائح ـ علي خدمة تبرر هذا النهب.
من الذي أعطي هؤلاء صفة «السياحي» فيما يتعلق بانفلات الأسعار فقط، من دون أي علامة أو بشارة؟!
أكواب وأدوات موائد ملوثة إلي حد السواد، معطوبة أحياناً إلي حد وجود شروخ خطرة في الأكواب والأطباق، دورات مياه قذرة في كل مطاعم ومقاهي الحسين، التي تحظي بكثافة سياحية عالية، إلي حد أن يطفح الإنسان ما أكله أو شربه إذا خاطر بدخول الكنيف القذر لقضاء حاجة أو غسل يد!
من الذي أطلق هذا السعار في مكان شعبي كهذا، من دون أن يعلّم صبيان هذه المحال أدب التعامل، ويمنعهم من الوقوف مثل قطاع طرق حقيقيين يستدرجون زبوناً لمقهاهم أو مطعمهم ليأكل ويشرب من دون شهية، قبل أن يسلخوه علي مذبح السياحة؟!
في انتظار ردودكم واضافه اماكن انتهازيه تانيه..........
تحياتي للجميع..... semsem